الانتصارات الصغيرة

بقلم أنس بن حسين


كان لازم اروح الرياض. عندي معاملة لازم انهيها يدوياً. الوقت ضيق ولا حجوزات متوفرة للطيران...! ركبت سيارتي مع رفيق الطريق وصديقي الحميم من مدينة الطائف منطلقين شرقاً إلى الرياض. في رحلة قيادة تتعدى الثمان ساعات...!


قطعنا شوط جيد في الطريق، سمعنا فيها كل ما لذ وطاب من طرب عربي وغربي تناقشنا تجادلنا. عملنا المستحيل عشان نصحصح. عشان نطوي هذه المسافات الطويلة. ولسبب لا يعلمه إلا الله، ضربت بيدي على مقود السيارة عندما رأيت لوحة تقول: "الرياض 350 كيلو...!". قلت لصديقي ياخي مو معقول هذي اللوحات. تحطمني، تحسسني إن باقي لي مشوار طويل...! تحسسني إني لسه مكاني...! الرجل استغرب مني وقال اختلف معاك.. انت باقي لك نصف المسافة الآن. قلت هذي هي مشكلتي. لا أحب أن اعرف كم بقي لي...! ليتهم يغيروا اللوحات، ويكتبوا فيها "لقد قطعت 350 كيلو" بدلاً من "بقي لك 350 كيلو"...! ... بعد اقتراحي الفاشل، دخلنا في سلسلة عبط ونقاش غير وجودي بائس لم ننتبه لأنفسنا إلا

والرياض أمامنا تماماً...!

قصتي السابقة تمثل وجهة نظر يختلف معي فيها الكثير. أكره وضوح الهدف أمامي وتفصيله بالملمتر...! بالأصح أكره الأهداف الكبيرة، تتعبني كلمة: "ها كم بقي لك"؟.. لأني أول من يعلم بأن المشوار طويل، الهدف بعيد، ومتعب تحقيقه. بدلاً من هذا، أحب أن أعرف كم أنجزت حتى الآن بدلاً من التفكير في كم بقي لي عن الإنجاز الكبير والنهائي. أحب ان اتعامل مع كل يوم بيومه. بالعربي الواضح، أحب أن ارى الفرق بين ما كنت، وما أصبحت. وأقدر اعتبرها قناعة شخصية تماماً لولا إني تذكرت كلام بروفيسور قابلته في مدينة ليستر البريطانية...!

اتذكر وقوفي مع البروفيسور البريطاني المشرف على برنامج الماجستير في حفلة صغيرة يقيمها هو في بيته. طلب مننا البروفيسور أن يحضر كل طالب طبقه الوطني ويكتب على العلبة أبرز المكونات: يعني فيه حليب أو ما فيه، أكل نباتي أويحتوي على اللحم، حلال أو كوشر..! الشاهد إني وبسبب علاقتي المضطربة مع المطبخ، مريت على مطعم تركي وأحضرت منه طبق من الكوسا المقلية وكتبت على العلبة كلمة حلال بالإنجليزي. سألني المشرف وفي طرف فمه ابتسامة خبث، قال وهل تذبحون الكوسا في السعودية؟ ليه كاتب عليها حلال؟ الرجل عرف يخرجني من الجو الصامت الي حضرت فيه الحفلة ودخلت معاه في نقاش عن معنى كلمة حلال، وإنه مو مرتبط فقط بالذبح، بل قد يكون بالزيوت المستخدمة و وو.. كأني طولت في الكلام فالبروفيسور لمعت عينه وقال لي: طريقة كلامك تذكرني بمواطنك ماجد .. الطالب اللي درس عندنا قبل سنة. ماجد درس في نفس برنامجك وبدأ معنا بمستوى كتابة سيء. سيء جداً خاصة في الكتابة الاكاديمية، لكن كل شهر كنا نلاحظ تقدمه 10 خطوات نحو احتراف الكتابة الاكاديمية، وآخر الكورس لم يكتب رسالة ماجستير، بل كتب ماستر بيس.. أي تحفة فنية.

هذا الحوار على بساطته ولؤمه، إلا أنه كشف لي كيف يفكر الإنجليز أو معظمهم. النجاح عندهم مو نقطة وصول في الأساس. بل التقدم والتطور خطوة خطوة. هم يركزون على: هل نجحنا في تدريب وتطوير الطالب؟ هل جعلناه يتحرك للأمام ويتغير مستواه؟ مواطني ماجد نجح بكل المقاييس إذا نظرنا لفين كان وفين صار..! هذه الفلسفة في التفكير غيرت تماما نظرتي تجاه تقييمي لنفسي وللأشخاص حولي. المسألة نسبية، تعتمد على النقطة الي انطلقت منها وما مدى تطور، بعدها...!

النظر للخلف مفيد أحياناً، خاصة إذا كنت بهذا النظر تقارن بين أين كنت وأين انت الآن. كم قطعت، وليس كم بقي لي! كم بقي لك هو سؤال قد يسبب لك حالة توتر وترقب. في المقابل، سؤال "كم قطعت" تزودك بطاقة نجاح وإنجاز. وهنا نجي للكلمة الأهم، ابحث عن الانتصارات الصغيرة، وهذا هو عنوان مقالة شدتني في مجلة هارفارد بزنس ريفيو.. "قوة النجاحات الصغيرة"..!

الانتصارات الصغيرة هي نقاط التطور في طريقك لتحقيق الهدف...! هذه النقاط قد تكون مهارة صغيرة ميكروسكوبية غير واضحة للعين المجردة، ولأنها ميكروسكوبية فيصعب علينا ملاحظتها...! أليست الأم والأب يعاملان طفلهما بمنتهى الدلال حتى وهو لابس بشت الزواج؟ نمو الأبناء وتطورهم يبقى خفياً في عين الوالدين، لأنه متدرج ذكي، ميكروسكوبي...! كذلك نقاط إنجاز، هي نقاط صغيرة صعب أن تلتقطها بالعين المجردة

والعمل؟ كيف أستطيع الوصول لمرحلة التفكير في الانتصارات الصغيرة؟ بسيطة. أولاً اسأل نفسك: ما هي المهمة التي بين يدي أو التي أريد أو يجب أن أنجزها؟. ثم أمسك سكين يشبه سكين الشيف التركي نصرت. وابدأً وبأناقة شديدة قطع هذه المهمة إلى أجزاء صغيرة..! صغيرة جداَ.. الآن صار عند، مهام صغيرة جدا بعضها ما ياخذ منك دقائق.. ابدأ في إنجاز هذه المهمة.. ستشعر بأنك أنتهيت من عمل، ادرينالين الحماس حيبدأ الضخ وبقوة في جسدك،. معنوياتك أعلى، ثقتك بنفسك أعلى وأعلى.. الرضا عن نفسك سيصل لمرحلة محترمة.. ليه؟ لأنك أمام عينيك وفي قرارة نفسك إنت قاعد تنهي مهام.. قاعد تنجز.. في مؤشرات واضحة خلفك بأن أنجزت.. هنالك إرث تضع قدميك عليه بسطوة وتقول للجميع ولنفسك أولا: هاأنذا وهذي إنجازاتي". إنت قاعد تجسد المثل القائل "أكل العنب حبة حبة" ومع كل حبة عنب تاكلها، راح تشعر برضا وارتياح ورغبة في مزيد من الإنجاز.. لأنه ببساطة الإنجاز يدفع لتحقيق إنجازات أخرى..!

لو سألتوني هل أنت مؤمن بهالكلام؟ بدون تفكير أقول لكم نعم. أنا اعتنق

الـ small wins وآخر ما جربتها كان لما اشتريت أجهزة تمارين رياضية في بيتي.. تمارين حديد، سير، دراجة، أجهزة مقاومة ووو.. بعد ما رتبت كل الأجهزة في بلكونة البيت، راحت السكرة وجات الفكرة؟؟ متى وكيف وهل اقدر اتمرن كل هذي التمارين؟ غمرتني حالة شك في قدراتي الجسدية والعقلية بسبب قراري المتحمس.. اشتريت الأجهزة تحت شعور عظيم بالحماس والآن يبدو أنني استثقلت التمارين..! لولا أنني فكرت في طريقة ال small wins لارتدت أجهزتي رداء الصدا المحاك بخيوط العنكبوت... عملت جدول لا يتعدى العشر دقائق، بدأت بـ 3 جلسات بطن، هرولة خفيفة على السير ثم تمارين اكتاف وصدر بأقل وزن.. في البداية لم تكن تمارين جادة تماماً لكن النفسية كانت في أعلى مستوياتها.. حسيت بأني دخلت مود التمارين الرياضية، أنا جزء من هذا العالم الذي يتمرن.. أنا أنجز تمارين رياضية. الآن ساعة كاملة هي حصيلة تماريني اليومية.. والسبب إن أكل العنب حبة حبة.. امس سكين الفاخر واقطع المهام وتقوى بالانتصارات الصغيرة..!

0 عرض
  • SoundCloud - Grey Circle
  • Twitter - Grey Circle
  • YouTube - Grey Circle
  • Instagram - Grey Circle

© 2018 by PAPER SAMWICH.